المسلمون واقع وأمل

 

لا ريب أن الخلاص مما يقع للمسلمين من اقتتال فيما بينهم أو من قبل إعدائهم إنما يكمن في الرجوع إلى الله: أمّا الذين يتقاتلون بأنفسهم فهم في الحقيقة يتقاتلون على المناصب، ونحن نتأسف كثيرا أن يحرص المسلمون على الغنائم بعد النصر، كالذي حصل في أفغانستان، فإنّ الغنائم يجب أن تكون ليست مناصب يحرزونها، وإنما قوة الإسلام وظهور الإسلام، ولكن الذي حصل خلاف ذلك، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ الوازع الإيماني أصبح ضعيفا فيهم أمام مطامع الحياة الدنيا، ومن هنا كان الواجب هو اللجوء إلى الإيمان، هو الذي يوحّد ولا يفرّق، ويجمع ولا يشتت، ويؤلّف بين القلوب ولا يخالف بينهما، وكذلك الذي يحصل في الصومال فهو نتيجة السعي إلى المناصب وحب الظهور والاستعلاء، فالله -سبحانه وتعالى- قال في كتابه الكريم: } تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في ٱلأَْرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَٱلْعَـٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{ (القصص: 83), فالحرص على العلو يؤدي إلى الحرص على الفساد والعياذ بالله.

وأمّا الذين يتعرّضون للحروب الدّامية من المسلمين من قبل أعدائهم الكافرين، هذا أمرٌ كما قلت ليس بغريب، فإنّ المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام وضد المسلين هي قديمةٌ قِدَمَ التاريخ، والله -تبارك وتعالى- حذّرنا غير مرّةٍ في كتابه الكريم من الكفّار ومعاداتهم للإسلام ونصبهم الحيل لهتك أستار المسلمين واستباحة بيضتهم وتشتيت جماعتهم، وإنّما الواجب قبل كل شيء الأخذ بأسباب النصر وهي ظاهرة في كتاب الله: } وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَْرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ { (النور: 55), فالإيمان الصادق الصحيح هو الذي يترجم العمل الصالح إلى واقعٍ ملموس بحيث يتجلى في كل جزئية من جزئيات هذه الأعمال فيكون سببًا للنصر، هذا الإيمان الذي عناه الله -عز وجل- عندما قال: } وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ { (الروم: 47).

فلئن عـادت هذه الأمـة إلى الأخذ بأسباب القوة والعمل بما فرض الله –تعالى- أن تعمل به، لاريب أنها ستنتصر على أعدائها. وهذا الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية الآن أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أَمِنْ قلةٍ نحن يا رسول الله؟ قال: لا، إنّكم كثير ولكنّكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنّ الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفنّ الوهن في صدوركم، قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهة الموت”، فحبّ الدنيا هو الذي استأثر بهذه القلوب كما رأينا الآن من التفرّق والاختلاف والتنازع على المناصب والتقاتل عليها والحرص على أن يكسب كلّ واحدٍ قدرا أوفر وأكبر منها.

ومن المعلوم أنّ السلف الصالح عندما كانوا قلةً وواجهوا الكثرة الكاثرة من أعداء الإسلام، واجهوهم بسلاح الإيمان والتقوى، فعمر -رضي الله عنه- عندما جنّد الأجناد لمواجهة أعتى إمبراطورية في ذلك الوقت وهي إمبراطورية الروم، عندما جنّد الأجناد لمواجهة هذه الإمبراطورية العاتية زوّد قائد الجند بنصيحةٍ كانت هذه النصيحة الذخيرة الحيّة، والقوة الفعّالة، والمرشد النصوح، جاء فيها: “أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإنّ تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي من عدوكم، فإنّ ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوّهم وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإنّ عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لن نغلبهم بقوتنا.

واعلموا أنّ في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا أنّ عدوّنا شرٌّ منا فلن يسلط علينا، فربّ قوم سُلِّطَ عليهم من هو شرٌّ منهم، كما سُلِّطَ على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله فجاسوا خلال الديار، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم، أسأل الله ذلك لي ولكم”.

هذه النصيحة هي القوة التي دمّرت قوى الأعداء، ومكّنت المسلمين الذين كانوا قلةً من عدوهم، وأظهرتهم عليهم، وجعلتهم متفقين متآزرين؛ لأنهم اعتصموا بحبل الله المتين، واتبعوا نوره المبين، واستهدوا بذكره الحكيم، واستناروا ونهجوا نهجه المستقيم، فمكّن الله –تعالى- لهم في الأرض كما وعد بذلك عباده المؤمنين، وعملوا بكتاب الله واتبعوا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فالله نسأل أن يعيد هذه الأمة إلى مكانتها التاريخية حتى تكون قائدة للأمم -إن شاء الله-.

Translate »