الوحدة الإسلامية في إطار المصلحة

لم يكن لدى الشعوب غير المسلمة –التي تسعى للتوحد ونبذ الخلاف- نصوص ربانية تسوقها إلى الوحدة، وليس بينها وبعضها قواسم مشتركة، وروابط عرقية أو دينية أو لغوية، وصفحات معظمها مصبوغة بالحروب الطاحنة بينها وبين إخوتها، لكنها ما إن سمعت صوت المؤذن بالتجمع والاتحاد، حتى أصغت إليه باهتمام، وتنادت في المشارق والمغارب أنْ هلموا، فاجتماعنا على قول مرجوح خير من تفرقنا على قول راجح.

والمسلمون –واأسفاه- يمتلكون المقومات اللازمة لهذه الوحدة، ويضمون إلى ذلك رصيدًا ضخمًا من القواسم والروابط المشتركة، وفوق هذا وذاك مأمورون شرعًا بهذا الاتحاد، لكنها لا تزال كلمات تزحم الأوراق، ومجاملات تخرج من جيب التقية أحيانًا، ومن ملفات تحسين الصورة أحيانًا أخرى.

ولا ريب أن الأمم التي أخذت تتجمع وتتحد، أدركت مصالحها، وأدركت أن الفرقة عذاب وأن الوحدة رحمة، وأن الفرقة ضعف وأن الوحدة قوة، وأن الفرقة تعب وأن الوحدة راحة، فلذلك سارعت إلى ما فيه مصلحتها، بينما أمة الإسلام قبل أن تكون الوحدة عندها استجابة لمصالحها، هي استجابة لداعي الله -تبارك وتعالى-، فإن الله -سبحانه وتعالى- فرض عليها الوحدة، يقول الله -سبحانه وتعالى-: } يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ{ (آل عمران: 101-102 )، ويحذر الله عباده من التفرق والاختلاف، عندما يقول -عز من قائل-: } وَلاَ تَكُونُواْ كَـﭑلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ { (آل عمران: 105)، والله –سبحانه- يبين أن الفرقة تؤدي إلى الضعف والتشتت، وتؤدي إلى انهيار القوة فيقول -سبحانه وتعالى-: }وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ{ (الأنفال: 46).

وهكذا نجد دعوة القرآن دعوة تدوي في هذا الوجود، داعية هذه الأمة إلى الاتحاد والتآلف.

وقبل كل شيء فإن الله -تعالى- يُثْبِتُ لنا في كتابه أن هذه الأمةَ -أمةَ التوحيد- هي أمةٌ واحدة: } إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِـدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَـﭑعْبُدُونِ { (الأنبياء: 92)، ويقول تعالى:}  وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَـﭑتَّقُونِ { (المؤمنون: 52).

فهذه الأمة إنما تجتمع وتتآلف في ظلال العبودية لله، وفي ظلال تقوى الله؛ لأن عبادة الله -تعالى- هي جامعة غير مفرقة.

    كل عبادة من العبادات المشروعة في الإسلام تَنْتَزِعُ من صدور العباد السخائم والأحقاد، وتفيض فيها شعورًا بواجب الوحدة الإيمانية الرابطة ما بين عباد الله -تعالى- المؤمنين.

كل عبادة من العبادات تحطم الحواجز ما بين العابدين، وتقضي على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم ليترفعوا فوق أهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم، متوجهين إلى الله -تعالى- المعبود الواحد، الذي فرض بينهم هذه العبادة وفرض عليهم عبوديتهم له.

فإذن، الإسلام هو داعٍ إلى هذه الوحدة، ومع ذلك نحن نجد أن دواعيَ الاتحاد بين الأمة كثيرة، فقبل كل شيء الرب المعبود واحد: } وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ { (البقرة: 163)، فمـا دام المعبود هو الله –تعالى- فإذن هذا وحده من دواعي الائتلاف.

كذلك بجانب هذا كيفية العبادة؛ لأن الصلوات التي تؤديها الأمة هي نفس الصلوات التي اتفقت عليها جميع طوائفها.

فما من قائل بأن هناك أربع صلوات أو صلاتان أو ثلاث أو ست أو عشر، وإنما الكل يقطع بأن الفروض التي تتكرر في اليوم والليلة هي خمسة وليست أكثر من ذلك ولا أقل. كذلك هذه الأمة متفقة في وجوب صيام شهر رمضان، ومتفقة في وجوب تزكية المال، ومتفقة في وجوب حج بيت الله الحرام، وهو لقاء عام بين عباد الله -تعالى- المؤمنين. كما أن هذه الأمة أيضًا قبلتها واحدة، وكتابها الذي ترجع إليه وتعتمد عليه كتاب واحد، ونبيها الذي تأتم به وتهتدي بهديه هو نبي واحد.

كل ذلك مما يدعو إلى الألفة والاجتماع، فإذاً ما يجمع هذه الأمة الشيء الكثير الكثير، فالأمة لو أنها أخذت بأسباب الوحدة، فما عندها من الرصيد الديني والرصيد الفكري كافٍ لأن يؤلف بينها ويجمع شتاتها.

Translate »