الوحدة الإسلامية مطلب ديني عقدي

لا ريب أن كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وقد رضي بالله –تعالى- ربا، وبالإسلام دينا، وبكتاب الله -تبارك وتعالى- منهجًا يسير عليه، ويرتبط بهذه الأمة مسيرًا ومصيرًا، آمالا وآلاما، يحن أيما حنين إلى الوحدة ما بين الأمة الإسلامية، إذ في التفكك ما بين الأمة طوائف أشتاتًا- تمزيقٌ لهذه الأمة، وإضعاف لها، وإذهاب لريحها، بينما هي إذااتحدت كانت أمة قوية.

على أن هذا الاتحاد ليس هو مصلحة دنيوية فحسب، بل هو مطلب ديني عقدي؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قَرَنَ ما بين الدعوة إلى اتحاد الأمة، والدعوة إلى توحيده، وحسبكم ذلك دليلا على عظم شأن هذا الاتحاد، كيف وقد قُرن بأقدس المقدسات في عقيدة الإسلام، وهو توحيد الله -تبارك وتعالى- الذي تقوم عليه المفاهيم الإسلامية بأسرها، ومنه تكون الانطلاقة في مجالات العبـادات والأعمـال على اختـلاف أنواعها، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: } يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَٱعْتَصِمُـواْ بِحَبْـلِ ٱللَّهِ جَمِيعًـا وَلاَ تَفَرَّقُواْ  {(آل عمران: 102-103)، ربط الله -تبارك وتعالى- بين الدعوة إلى الكون على توحيد الله -سبحانه وتعالى- وعدم الموت إلا على الإسلام دين التوحيد، وبين وجوب الوحدة ما بين الأمة وعدم التفرق.

       وهو –تعالى- القائل: } إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَـﭑعْبُدُونِ { (الأنبياء: 92)، وهو القائل: } وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَـﭑتَّقُونِ { (المؤمنون: 52)، وهو القائل -سبحانه وتعالى-:

} إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ { (الأنعام: 159)، وهو -سبحانه وتعالى- الذي حذّر من مغبّة الفرقة والاختلاف عندما قال: } وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ{ (الأنفال: 46).

على أننا يجب علينا أن نفكر فيما يجمع ما بين هذه الأمة، فنحن نرى قواسم مشتركة تجمع ما بين هذه الأمة جميعًا، منها وحدة المصدر، فإن هذه الأمة جميعًا تؤمن بكتاب الله، أنه هو المصدر الأول لفكرها ولفقهها ولمنهجها في حياتها، وتؤمن أيضًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة.

ومع هذا أيضًا قبلتها واحدة، فإنها تجتمع على التوجه إلى بيت الله الحرام، الذي يحجه المسلمون جميعًا على اختلاف طوائفهم، وعلى اختلاف مذاهبهم الفقهية والفكرية.

وهناك أيضًا اتحاد في أصول كثيرة أهمها أركان الإسلام الخمسة، فإن أركان الإسلام الخمسة لا فارق فيها، وإنما الفرق في تفسيرها، إذ لم تختلف الأمة في وجوب اعتقاد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم تختلف الأمة في وجوب إقام الصلاة، وفي وجوب إيتاء الزكاة، وفي وجوب صوم رمضان، وفي وجوب حج بيت الله -تعالى- الحرام.

كما أن أركان الإيمان الستة لم تختلف الأمة في خمسة منها، فقد اتفقت جميعًا على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، وإنما وقع الاختلاف في الإيمان بقضاء الله وقدره، بناء على تفسيرات لكل طائفة لها موقف من هذه القضية، وبالنسبة إلى الأركان الخمسة من حيث الكليات الكل متفقون، وإنما هناك اختلاف في الجزئيات.

وقد كان الواجب على الأمة أن ترعى هذا الجانب، قد كان الواجب على هذه الأمة أن تدرك أن هذه الخصائصالمشتركة فيما بينها، يجب أن تكون مؤلِّفة فيما بينها ومقرِّبة لوجهات نظرها. على أن الاختلاف في التفسير، والاختلاف في التأويل، والاختلاف في الجزئيات التي ترجع إلى هذه الكليات، يمكن أن يُناقش بأسلوب هادئ هادف لا يؤدي إلا إلى التآلف والتقارب.

وأنا أعلم أن الشُّقَّة في العهود الماضية كان لها أثر في إساءة الظنون، وكان لها أثر في عدم تصور كل طائفة ما عند الطائفة الأخرى، فلربما ظن هذا أن غيره يعتقد معتقدات هو في الحقيقة منها براء، كم سمعنا بأن الطائفة كذا تعتقد كذا وتعتقد كذا، مما يخرجها عن ملة الإسلام، كم نُسب إلينا نحن مما لا نقره ولا نرضاه من أي أحد.

وهذا يعني أن الشُّقة أَدَّتْ إلى أن يوسوس الشيطان للناس، ويزيّن لهم سوء الظن ويقبّح صور الآخرين في أنظارهم، ولكن مع هذا القرب الآن بحيث أصبحت الدنيا كأنما زويت من أطرافها، وفي نفس الوقت أصبحت وسيلة الاتصال وسيلة مُقرّبة للبعيد، فالكتاب أصبح في متناول اليد، كتاب أي طائفة من هذه الطوائف، فالمطابع سهّلت وصول الكتاب إلى يد أي أحد، وليس ذلك فحسب، هناك وسائل أخرى، شبكة المعلومات العالمية تقرّب البعيد، بحيث إن الإنسان يمكنه من خلالها أن يطّلع على ما عند الآخرين مما لم يكن يتصوره من قبل.

كذلك أصبحت المجلدات الكثيرة تُختزل اختزالا في أقراص صغيرة، ويمكن من خلالها الاطلاع، بحيث يمكن أن تُختزل مكتبات بأسرها في قرص أو قرصين، أو في أقراص يسيرة، وأن يطّلع الناس من خلالها على الكثير الكثير مما لم يكن يتصورونه من قبل، فلا عذر اليوم مع هذا كله عن محاولة اطّلاع كل فئة على ما عند الفئات الأخرى، وعلى إحسان الظن بقدر المستطاع، وأن لا يُقطع عذر أحد ما دام متشبثا بدليل شرعي، ولو كان هو في نظر الفريق الآخر دليلا ضعيفا، ولكن عندما يكون هذا الدليل، لا يصطدم مع دليل قطعي، فإنه يؤخذ به ولا يُعنّف من أخذ به، نعم على الإنسان في خاصة نفسه، أن يعمل بالدليل الأقوى، وأن لا يأخذ بالدليل الأضعف، ولكن ربما كان في نظر الآخر هذا الدليل الذيهو أضعف في نظره دليلا أقوى.

أما بالنسبة إلى القضايا المنصوص عليها، فلا ريب أن كل أحد لا يتعمد أن يصـادم نصًّا قطعيًّا، ويعدل عنه إلا بتأويل، قد يكون هذا التأويل تأويـلا لا يسـوغ، ولكن مع ذلك التأويـل، ولو كان أوهى من نسـج العنكبوت، لا يؤدي إلى إخراج أحد من الملة إن صادم نصا قطعيا.

نعم الذي ينكـر ما عُلم من الدين بالضرورة، مما كـان نصا قطعيا، لا يحتمل التأويل بحال من الأحوال، فإنه على أيحال، لا يُتجاوز عمن رده، وإن كان رده بغير تأويل في هذه الحالة يكون رادا لنص قطعي، ويكون خارجا من ملة الإسلام، ولكن نحن ننزه الناس المسلمين عن اتّباع هذه الطريقة، ونرى أنه لا بد للمسلم أن يلتزم بالدليل، ما دام آمن بالقرآن الكريم، فإنه يأخذ بجميع آياته، نعم ربما تصوّر بعض الناس شيئا من القرآن أنه منسوخ، أو تصوّر أن شيئا من القرآن الكريم خُصّص عمومه أو قُيّد إطلاقه أو نحو ذلك، وقضايا تخصيص العمومات وإطلاق المقيَّدات مما يسوغ النظر فيه، فليس لأحد أن يقطع عذر غيره بسبب أنه ركن إلى دليل يُخصّص الدليل العام، أو يُقيّد الدليل المطلق، ولو كان في نظر هذا الطرف الآخر أن ذلك لا يسوغ التخصيص به، ولا يسوغ التقييد به، ولكن هناك مخصصات أُجمع عليها، وهناك مخصصات اختُلف فيها، والعلماء لهم مجال واسع في النظر في هذه الأمور.

Translate »