اليمين بين اللغو والانعقاد

يقول الله تبارك وتعالى : ” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفورٌ حليم ” .

ارتباط الآية بما قبلها :
هذه الآية الكريمة ترتبط بما قبلها من حيث إن سابقتها فيها النهيُ عن كثرة الحلف على رأي طائفةٍ من المفسرين فقد فسروا قوله سبحانه : ” ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم “[2] بمعنى لا تكثروا الحلف بالله سبحانه فتجعلوا اسمه الكريم هدفاً لأيمانكم تحلفون به لأجل أي باعث يبعثكم على الحلف ، فكأن تساؤلاً حضر كيف يكون شأن الذين تنفلت كلمات الحلف من ألسنتهم بدون قصد فأُجيب : ” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ” فالآية الكريمة تفيد عدم العقوبة على ما يحصل من اللغو في الأيمان .

معنى اللغو لغة :
وكلمة اللغو تستعمل للشيء الساقط من الكلام وغيره ، ولذلك كانوا يعدون ما لا يصلح لأن يحسب في الدية من الإبل لغواً . يقول الشاعر :

كما ألغيت في الدية الحوارا

فالحوار – الذي هو ولد الناقة – لا يصلح لأن يعد في الدية ، واللغو هو : مصدر لغا يلغو لغواً ، ويقال : لغَى يلغَى لغوا كسعى يسعى وذلك لكون عينه حرف حلق ، ويقال لغَىً أيضاً : لغِي – بكسر الغين – يلغَى بفتحها كرضي يرضى ، ومن ذلك قول الشاعر :

ورب أسراب حجيج كظم
عن اللغى ورفث التكلم

فاللغى مصدر لغي يلغى يلغو ، واللغو مصدر لغا ، وفي القرآن الكريم ” والذين هم عن اللغو معرضون “[3] ” لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما “[4] ويحتمل أن يكون مصدر لغا يلغو ولغى يلغى كسعى يسعى ، وقول الله تبارك وتعالى : ” وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوْ فيه “[5] فهو إما أن يكون من لغى يلغى كسعى يسعى وإما أن يكون من لغي يلغى كرضي يرضى ، وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن دار قدسه وجود أي لغو فقال سبحانه وتعالى : ” لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً “[6] وقال : ” لا تسمع فيها لاغية “[7] والمراد بذلك الساقط من الكلام ، وهو الكلام الخبيث الذي يأباهُ الطبع السليم ، ومثل ذلك أيضاً ما وصف الله تبارك وتعالى به عباده عندما قال : ” وإذا مروا باللغو مروا كراماً “[8] ، فإن من شأن عباد الله المؤمنين أن يتجنبوا اللغو وألا يُجاروا فيه غيرهم .

اللغو اصطلاحاً :
واللغو في الأيمان ما كان ساقطاً غير معتدٍ به ، وذلك بأن لا تترتب عليه أحكام الأيمان كوجوب الكفارة مع الحنث ، وقد اختلف الفقهاء والمفسرون والمحدثون في المراد بأيمان اللغو التي نفى الله تعالى مؤاخذة عباده بها ؟ فقيل : إن اللغو في اليمين هو ما يصدر عن الإنسان بدون قصد ، بحيث لا يعقد عليه عزمه وإنما يدرج في الكلام لاعتياده عند الناس ، وذلك كقولهم : كلا والله ، وبلى والله ، وهذا القول رواه البخاري ومالك في الموطأ وأبو داود وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، ورواه ابن جرير وغيره عنها مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو القول الذي ذهب إليه الإمام الشافعي وذكره أبو حيان عن الإمام مالك ، واختاره غير واحدٍ من علمائنا ومن بينهم صاحب النيل – رحمه الله تعالى – ودرج عليه القطب – رضي الله تعالى عنه – في تفسيره ” الهيميان ” ، وسكت على اختيار صاحب النيل له في شرحه ، وقد عزاه جماعة من العلماء إلى الجمهور ، ونقل بعضهم اتفاق عامة العلماء عليه ، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

والحجة لهذا القول : أن الله سبحانه وتعالى بعدما نفى المؤاخذة في أيمان اللغو أتبع ذلك قوله : ” ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ” ومعنى ذلك أن يمين اللغو غير مكتسبة أي غير مقصودة للحالف ، وإنما خرجت بدون إرادة منه ، وعضده القطب في ” الهيميان ” بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة “[9] واستدلاله بالحديث إنما هو استدلال بمفهوم العدد ، فإن غير النكاح والطلاق والرجعة لا يكون حكمه كحكمها في جعل هزلها كجدها إذا ما اعتبرنا مفهوم العدد ، وتندرج في ذلك الأيمان فلا يتساوى لغوها ومعقودها ، وقد روي في هذا الباب عن عائشة رضي الله عنها أن أيمان اللغو هي ما يكون في حال الهزل والمزاح ، وروي أيضاً عنها وعن غيرها أن أيمان اللغو هي الأيمان التي تصدر فيما بين المتبايعين ، بحيث يقول البائع : والله لا أبيعك إلا بكذا والمشتري يقول : والله لا أشتري بكذا ، واستدل لهذا الرأي بما أخرجه ابن جرير من طريق الحسن ابن أبي الحسن مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ ومعه أحد من أصحابه على طائفة من أصحابه وهم ينتصلون – أي يرمون بالنصال – فقال أحدهم : أصبتُ والله وأخطأت والله ، وكان الأمر بخلاف ذلك ، فقال صاحب النبي له : لقد حنث والله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” كلا ، أيمان الرماة لا كفارة فيها ولا عقوبة “[10] ، والحديث غير متصل السند ، وقال الحافظ ابن كثير : بأنه مرسل حسن عن الحسن ، وقيل : أيمان اللغو هي الأيمان التي تصدر عن الإنسان عندما يظن ظناً راجحاً بالأمر فيحلف على ما ظن ، وعبر بعضهم عن هذا الظن بالاستيقان ، أي يحلف على ما يستيقن حسبما استقر عنده فيظهر الأمر بخلافه ، والتعبير بالاستيقان إنما هو من باب المجاز إلحاقاً للظن الراجح باليقين، وهذا القول مروي عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما ، وقال به عددٌ كبير من التابعين ، وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك في الموطأ ، والإمام أبو حنيفة في المشهور عنه ، ودرج عليه أصحابه الحنفية ، وعزاه الشوكاني إلى الزيدية ، وحجته أن الإثم لا يترتب على نفس اليمين وإنما يترتب على الحنث فيها ، فلو أن أحداً حلف لا على قصد الحنث لما ترتب على حلفه شيءٌ من الإثم ولكنه يأثم بوقوع الحنث ، وهذا لم يكسب الحنث بقلبه فلا يدخل حنثه فيما كسبت القلوب ، وقد قال تعالى : ” ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم “[11] فهذا حلف على ما كان متيقناً عنده أو راجحاً ظنه فيه ولا يرى إلا أنه كذلك وإن كانت الحقيقة بخلاف ما ظن أو بخلاف ما استيقن كما عبر بعضهم ، فقصارى أمره أن يعد مخطئاً إذ لم يصب عين الحقيقة في قسمه وإن كان يرى أنه لم يعدها ، وذكر الفخر الرازي أن الخلاف بين الإمامين أبي حنيفة والشافعي في المسألتين خلاف تترتب عليه أحكام فيتفرع على قول الإمام الشافعي أنه لو حلف أحد على أمرٍ ما وهو لا يظنه إلا كذلك فانكشف بخلاف ذلك أنه بهذا يحنث وتلزمه كفارة ، ويترتب على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أن من حلف على ما ترجح ظنه عنده فتبين له خلاف ذلك أنه لا حنث عليه ولا كفارة عليه ، ولكن إذا انفلت لسانه بقول بلى والله ، وكلا والله ، ولا والله ، فذلك قسم صدر منه في حين غفلة فإن استمر في غفلته ولم ينتبه له فلا حرج عليه ، وأما إذا انتبه له وجب عليه أن يكفر ، وحكى بعض العلماء أن الإمام أبا حنيفة مذهبه أنه لا يترتب على الحلف حكم اليمين في كلتا الحالتين ، فمن حلف بالله على أمرٍ لا يرى إلا أنه كذلك فتبين له بخلافه فهو مغدور ويمينه لاغية ولا كفارة عليه في ذلك ، وكذلك من اندرجت في حديثه ألفاظ اليمين بدون أن يعقد عزمه عليها لا حرج عليه ، وقيل : بأن يمين اللغو هي اليمين التي تصدر في حال الغضب ، وأخرج الطبراني مرفوعاً ” لا يمين في غضب “[12] وقد أشار الدار قطني إلى إعلال هذه الرواية ، وتُعقب هذا الرأي بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم في حالة غضبه بأن لا يحمل الأشعريين ثم حملهم وكفر عن يمينه[13] ، وقيل : بأن يمين اللغو هي يمين المعصية، وذلك بأن يحلف على فعل محجور أو على ترك واجب ، فكفارته حنثه في يمينه ، وتعد هذه اليمين ملغاة لا أثر لها في الحنث وهو معنى مونها لغواً ، فلا كفارة عليه فيها ، لأنه يجب عليه أن يطيع ربه ولا يعصيه سواءً فيما أمره به أو نهاه عنه ، فالحنث في يمينه واجب عليه وبره فيها حرامٌ عليه ، لأن كلاً من ترك الواجب وفعل المعصية حرام ، فمن أقسم بأنه لا يبر والديه أو لا يصل رحمه أو لا يؤدي زكاته أو لا يحسن جوار جاره إلى غير ذلك من أنواع المعاصي يجب عليه الحنث في قسمه ، وهكذا الحكم في جميع المعاصي الفعلية أو التركية ، واستدل لهذا الرأي : بحديث عائشة رضي الله عنها عند ابن ماجه وابن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من حلف على معصية أو قطيعة رحم فبره في حنثه ” ومعنى ” بره في حنثه “[14] : عليه أن يبر بالحنث في هذه اليمين وتلك تعد كفارة له ، ونحوه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن جرير وغيره وأخرجه أيضاً أحمد وأبو داود فيما أحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا نذر ولا كفارة فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصيةٍ ولا في قطيعة رحمٍ “[15] إلا أن هاتين الروايتين وغيرهما من الروايات التي عول عليها أصحاب هذا الرأي فيما ذهبوا إليه لا تخلو من ضعف في أسانيدها ، والروايات الصحيحة تنص على التكفير ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه “[16] وهو عند الربيع وأحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة وتعضده روايات من طرق شتى ، ومثله قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : ” لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني “[17] أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه ، فإن هذه الروايات تنص على التكفير ، نعم يكون الحنث تارةً واجباً عليه كما لو حلف أن يقطع رحماً أو أن يؤذي جاره أو يمنع حقاً من الحقوق أو أن يرتكب معصية أو أن يترك واجباً ، وتارةً يكون مندوباً إليه كما إذا حلف ألا يفعل أمراً مندوباً إليه أو أن يفعل أمراً مكروهاً ، فإن الحنث في هذه الحالة يكون مندوباً إليه ، ولكن مع ذلك أيضاً يطالب بالكفارة .

وقيل : بأن يمين اللغو ما صدر عن الإنسان في حالة هيجان غضبه ، وذلك بأن يسيطر عليه الانفعال حتى يؤدي به إلى عدم الاتزان في كلامه ؛ فأيمانه في هذه الحالة ملغاة ، لا تجب فيها الكفارة ، وقيد بعض العلماء ذلك بما إذا كان في حالة لا يعي فيها ما يقول ، وذهب القطب في تيسيره إلى أن أيمان اللغو تندرج فيها هذه الأنواع من الأيمان ما عدا يمين المعصية ، فلو حلف أحد في حالة غضب أو نسيان أو إكراه أو خرجت اليمين منه بدون قصدٍ ؛ وإنما كانت على عادة الناس في اقتران كلامهم بالأيمان أو ظن أن تلك العبارة غير يمين ، كأن يكون لا يعرف إلا أن اليمين والله ولا يعرف أن تالله يمين ، أو أن يكون صدرت منه ألفاظ اليمين وهو في نومه ، إلى أمثال ذلك ، فإنه ذهب : إلى أن هذه كلها تعد في أيمان اللغو ، ويقرب من كلامه كلام العلامة جمال الدين القاسمي في تفسيره ” محاسن التأويل ” فإنه حمل الأقوال المختلفة التي وردت في أيمان اللغو على أنها من باب التمثيل ليمين اللغو ، وإلا فيمين اللغو تندرج فيها هذه الوجوه بأسرها ، وقيل : بأن يمين اللغو ما كان في حالة النسيان ، وذكره القطب أيضاً وهو معزو إلى الإمام جابر بن زيد – رحمه الله تعالى – وإلى طائفة من علماء السلف.

وذكر ابن العربي أنه مما لا ينبغي أن يختلف فيه أن اليمين التي يحنث صاحبها نسياناً لا يؤاخذ بحنثه فيها ولا تلزمه كفارة بسبب ذلك الحنث ، وحكى ابن عبد البر أن يمين اللغو ما أُكره عليه الإنسان ، وجنح القرطبي إلى الأخذ بهذا الرأي ، ولكن لابد من تقييد ذلك بكونه مكرهاً من قِبل ظالم على غير وجه شرعي ، لأنه إن أكره على اليمين من قبل حاكم شرعي لوجوبها عليه بقضاء شرعي فإنه لا يرتاب أنه مؤاخذ بها إن كانت كاذبة وتجب عليه الكفارة لحنثه فيها ، وذهب بعضهم إلى أن يمين اللغو هي اليمين المكفرة ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعليه فإن ما لم يكفر هو الذي يؤاخذ به الحالف إن حنث ، وأما المكفر فإن الكفارة ترفع حنثها عنه ، فلذلك لا يؤاخذ بها ، ولا خلاف في أن الحانث عندما يكفر يمينه توبةً منه إلى الله ورجوعاً إليه لخشيته منه سبحانه وتعالى لا يؤاخذ بيمينه التي حلفها ، فإن التوبة النصوح تمحو أثر المعصية ، وسميت الكفارة كذلك لأنها تستر معصية صاحبها برجوعه إلى الله وابتغائه مغفرته وعفوه ، ولكن لا يعني ذلك أن هذه هي يمين اللغو ، كيف ؟ وفي سورة المائدة ما يدل بوضوح على أن يمين اللغو لا كفارة فيها ؟ فالمؤاخذة ليست بالكفارة وحدها وإنما تشمل المؤاخذة في الدنيا وفي الآخرة ، فقول الله سبحانه وتعالى : ” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم “[18] معناه لا يؤاخذكم في الدنيا بإلزام الكفارة بسببها عليكم ولا في الآخرة بعقوبتكم عليها إن لم تكفروا وتتوبوا منها .
وبهذا يتبين أن ما تجب فيه الكفارة داخلاً في حدود يمين اللغو .

وقيل : يمين اللغو هي اليمين التي لا تكون بصيغة القسم ولكن بصيغة الدعاء أو الخروج من الملة ، وذلك بأن يقول بأنه إن فعل كذا فالله يخزيه أو يعمي بصره أو يذهب نور قلبه أو هو من الكفار أو من المشركين أو من اليهود أو من النصارى أو من المجوس أو من عبدة الأوثان أو ما يشبه ذلك من عظائم الأمور ، فإن هذه اليمين تكون ملغاة عند أصحاب هذا الرأي ، وكذلك لو قال بأن الحلال عليه حرام أو يحرُم الله عليه حلاله ، وهو مروي عن زيد بن أسلم ، كما في تفسير ابن جرير الطبري ، وذهب إلى أن الحلال لا يحرم عليه بهذا القول ولا يكون مشركاً إلا أن يقصد الشرك بقوله ، وكذلك لا يكون كما نسب نفسه إليه من كونه يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك إلا إن قصد ذلك بقلبه وعقد عزمه على أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً عابد وثن ، وقد وافقه الإمام مالك في تحريم الحلال إلا الزوجة ، فإن قال حلاله حرام إن فعل كذا فلا يحرم عليه شيء – عند الإمام مالك – إلا الزوجة فإنها تحرم عليه اللهم إلا إن كان لم يقصدها ، وباب تحليل الحرام واسع لا يتسع له المقام فنتحدث فيه الآن ، وإنما نرجو أن تأتي مناسبة للحديث فيه – إن شاء الله – فيما بعد .

ويترجح من هذه الأقوال كلها القول الأول ، وهو أن يمين اللغو ما كان صادراً عن فلتات اللسان من غير عقد القلب عليه ، فإنها لعدم قصدها خارجة عن كسب القلب وإنما غاية ما فيها أنها تدرج في الألسن لغلبة اعتيادها في النطق فلا أثر لكسب القلب فيها ، وعليه فمعنى قوله تعالى : ” لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ” لا يؤاخذكم الله في أيمانكم باللغو الخارج عن قصدكم فهو معفو عنه بفضله تعالى كما عفا عن الخطأ و النسيان .

اليمين الغموس وكفارتها :
وبناءً على هذا فاليمين التي تسمى باليمين الغموس واليمين المصبورة هي مما يجب التكفير فيه ، وهذا ما ذهب إليه أصحابنا والشافعية وطائفة من علماء السلف ، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن يمين الغموس والمصبورة لا كفارة فيهما ، واليمين الغموس هي التي تغمس صاحبها في الإثم ، وذلك أن يقدم على الحلف على شيء ما عن عمّدٍ وإصرار وهو يعلم أنه ليس كما حلف ، وأما اليمين المصبورة فهي لا تختلف عن اليمين الغموس إلا من حيث أنه يلزمها الحالف بقضاء شرعي ، فهي مصبور أي محبوس صاحبها ، وإنما أسند الصبر إليها على سبيل المجاز العقلي ، وإلا فالمصبور الحالف عندما يحبس ويفرض عليه أن يحلف تلك اليمين إن لم يؤد ما يطالب به من حق ، فعندما يكون هذا المصبور حانثاً في يمينه تجب عليه الكفارة ، أما الذين ذهبوا إلى عدم الكفارة فإنهم قالوا بأن الكفارة ستر ، وإسقاطٌ للعقوبة ، وهذه – أي يمين الغموس واليمين المصبورة – أعظم من أن تسقطها الكفارة ، فاليمين الغموس كاسمها إنما تغمس صاحبها في الإثم فلا تسقطها الكفارة ، وكذلك اليمين المصبورة لأنها لم يصبر صاحبها على الحلف من أجل أنه ممتنع عن حق يطالب به وهو له جاحد ؛ وقد اقتطع بها حق من يجب له الحق إن كان حانثاً فيها ، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ” من اقتطع حق مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة وأوجب له النار “[19] ، لذلك كانت أعظم من أن تسقطها الكفارة ، فلا مناص لصاحبها من الإثم ولا مخلص له بالتكفير ، والصحيح أنها كغيرها من الأيمان في وجوب تكفيرها مع الحنث ، ومهما كان وعيدها فهو مقيد كسائر الوعيد بعدم التوبة ، وقد دلت النصوص الشرعية على أن لكل معصية توبة لمن تاب منها وإنما تتوقف التوبة من هذه اليمين على تكفيرها ورد الحق المقتطع بها إلى أهله ، ثم اختلف أصحابنا في نوع هذه الكفارة ، منهم من قال : بتغليظها ككفارة الظهار ، وإنما ذهبوا إلى التخيير فيها بين عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً بخلاف الظهار ، ومنهم من قال : بأنها لا تعدو أن تكون مرسلة كسائر كفارات الأيمان المنصوص عليها في سورة المائدة وهو الراجح ، إذ لا دليل على أن كفارة اليمين قد تكون مغلظة .

اليمين المؤاخذ بها :
” ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ” ، لا يخلو الحالف من حالين إما أن يكون حلفه بقصد أو بغير قصد ، فإن كان قاصداً أن يحلف فقد كسب ما عزم عليه بقلبه ، لأنه أراد الحلف وعقد عزمه عليه ، وإن كان لم يقصد فذلك لغو ، فاللغو وكسب القلب ضدان لا يمكن في حالة واحدة أن يجتمعا ، ولذلك صلح مجيء لكن للاستدراك لأنها تأتي بين الضدين ، ولا فرق في التعبير بين ما في هذه الآية وما في قوله تعالى في سورة المائدة : ” ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان “[20] ، فإن كسب القلب هنا يبينه ما في سورة المائدة ، فالإجمال هنا يحمل على ذلك التفصيل هناك ، ومما يعجب منه أن جماعة من أهل التفسير جعلوا ما هنا مفصلاً ، وما هناك مجملاً ، والأعجب من ذلك أن بعضهم ذهب إلى التفريق بين المراد هنا والمراد هنالك ، ولذلك قال من قال منهم : بأن اليمين الغموس لا يؤاخذ بها الإنسان في الدنيا بإلزام الكفارة عليه ، وإنما تكون المؤاخذة في الآخرة لأنها من باب ما كسبت قلوبكم وليست من باب ما عقدتم الأيمان ، لأن العقد قد يكون بمعنى ربط الشيء بالشيء ، فاليمين الغموس لا تترتب عليها كفارة اليمين المنصوص عليها في سورة المائدة – بناءً على هذا الرأي – ، لأنها ليست من باب تعقيد الأيمان وإنما هي من باب كسب القلوب ، على أنه يبدو واضحاً أنه لا فرق بين التعبير في هذه الآية ” بما كسبت قلوبكم “[21] والتعبير في آية المائدة بقوله : ” ما عقدتم الأيمان “[22] فإن المراد في الموضعين جميعاً عقد العزم على اليمين ، فاليمين التي يحنث فيها الإنسان يؤاخذ بها لأنها إنما يكسبها بقلبه لأنه يتوجه بقلبه إليها عندما ينوي اليمين ، وذلك عين تعقيد الأيمان المنصوص على المؤاخذة به وترتب الكفارة عليه .

خاتمة الآية الكريمة :
” والله غفورٌ حليم ” : عدم المؤاخذة في الأيمان إنما هو بسبب أن الله تبارك وتعالى من شأنه كثرة المغفرة لعباده ، فلو شاء لآخذ العباد بذلك بهفواتهم الصادرة في حال نسيانهم وكل ما تفرزه مجادلاتهم ومحاوراتهم من أيمان لا يحسبون لها حساباً وأقوال لا يلقون لها بالاً ، إلا أن كثرة مغفرته وحبه لغفران الخطايا والأخطاء كان مقتضاهما عدم مؤاخذتهم إلا بما تعمدوه ، وكما أنه تعالى من صفاته كثرة المغفرة فإن من صفاته الحلم أيضاً ، وصفة الحلم تعني التجاوز عن قلة الأدب في حق الحليم ، ولا ريب أن إقحام اسم الله تبارك وتعالى في مطلق الحديث بين الناس وما يدور بينهم من جدل حتى يكون عرضة للحلف به من غير قصد إنما منشئوه عدم الإكتراث ، حتى يكثر الإنسان من الحلف بين حين وآخر في مجادلاته فلا يجد نفسه إلا قد أقسم به تعالى في معاملاته ومحاوراته من غير أن يكون قد قصد اليمين ، والله تبارك وتعالى بسبب حلمه بعباده لا يؤاخذهم بهذه الهنات والهفوات ، ومن هنا كان الحليم أنسب للغفور في هذا المقام بالذات من الرحيم ، فتجدون أنه – سبحانه – قرن وصف نفسه بالمغفرة هنا بوصفه بالحلم لا بوصف الرحمة ، لأن الحلم إنما هو في مقابل هذه الهنات والسقطات التي لا يكاد يسلم منها أحد .

[1] أصل هذه المادة تفسير الآية ( 225 ) من سورة البقرة من دروس التفسير التي يلقيها سماحة المفتي العام للسلطنة ، أحببنا إلحاقها بالكتاب إتماماً للفائدة .
[2] الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .
[3] الآية رقم ( 3 ) من سورة المؤمنون .
[4] الآية رقم ( 25 ) من سورة الواقعة .
[5] الآية رقم ( 26 ) من سورة فصلت .
[6] الآية رقم ( 25 ) من سورة الواقعة .
[7] الآية رقم ( 11 ) من سورة الغاشية .
[8] الآية رقم ( 72 ) من سورة الفرقان .
[9] رواه أبو داود ، كتاب الطلاق ، باب في الطلاق على الهزل ، رقم ( 2194 ) ، والترمذي في كتاب الطلاق ، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق ، رقم ( 1184 ) .
[10] رواه ابن جرير الطبري ، حـ2 ، ص412 .
[11] الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .
[12] رواه ابن جرير الطبري ، حـ2 ، ص409 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، رقم ( 19852 ) .
[13] رواه البخاري ، كتاب كفارات الأيمان ، باب الكفارة مثل الحنث ، ومسلم ، كتاب الأيمان ، باب ندب من حلف يميناً ورأى غيرها خيراً منها ، رقم ( 1649 ) .
[14] رواه الطبري في تفسيره 2/411 .
[15] رواه الطبري في تفسيره 2/411 وأبو داود ، كتاب الطلاق ، باب الطلاق قبل النكاح رقم ( 2191 ) .
[16] تقد تخريجه .
[17] تقدم تخريجه .
[18] الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .
[19] رواه
[20] الآية رقم ( 89 ) من سورة المائدة .
[21] الآية رقم ( 225 ) من سورة البقرة .
[22] الآية رقم ( 89 ) من سورة المائدة .

Translate »